زمنها : قبل عامين .
مكانُها : الطريق إلى الخفجي .
... القصة :
في صيف عام 1428هـ كنتُ وابن عمٍ لي , في طريقنا إلى مدينة الخفجي , لما أن
بلغت الشمس كبدَ السماء , وبلغت الحرارة ذروتها ,و اعترى الأجواء شيئاً من
الرطوبة .
كنا نقود سيارتين من نوع أسوزو npr , ويطلق عليها البعض إسم دينا , ومن لا يعرفها
فهي أشبه بالشاحنات , إلا أنها أصغر منها حجماً , كنت أقود إحداهما وهو بالطبع
يقود الأخرى , وكانتا – أي السيارتين – محملتان بالبضائع , مما يجعل سيرهما
بطيء .
وقف بنا المسير في منطقة تُدعى { أبو حدرية } تبعد
عن مدينة الخفجي قُرابة الـ 160 كيلو , نزلنا لنُصليَ الظهر والعصر قصراً وجمعُ
تقديم , وبعد أن فرغنا من صلاتنا , اتجهنا إلى المطعم لنطلب الغداء , وأراد الله أن
نطلب الغداء سمكا , وبعد أن أكلنا من فضل الله , حمدنا الله وأثنينا عليه , وقمنا
لنستأنف رحلتنا بإتجاه الخفجي .
ركبنا مراكبنا واستعنا بالله وسرنا على بركة الله أراد الله بحكمته ألّا نأخذ ماءًا معنا ,
وليست هَذه بعادةٍ لنا, لكنّه أمرٌ أراده الله سبحانه وقضاه , ومضينا غيرَ بعيد , حتى
بدأ العطش يهاجمنا , وأصبح الماء مطلبنا , لم نكن نعلم أن الطريق ليس به محطات
للوقود , ولم يكن بالطبع خيار رجوعنا لحيث كنّا خياراً مطروق , بل على العكس كنّا
على أمل أنّ نجدَ محطة وقودٍ بالقربِ منّا , وعليه فقد كان الأمل يسير معنا .
ابن عمي كان أمامي , وسيارته تبعد عني بُعد النظر تقريباً , وكنتُ أود أبلاغة أنّي
عَطِش وأن عليه أن يقف في أول محطة وقود لنتمكن من شراء الماء , فأول ما يتبادر
للذهن هو الاتصال بالطبع , حاولت أن أتصل به لكنّ هاتفه كان مغلقاً للأسف , لم يأتِ
ببالي وقتها إلا أن أحاول اللحاق به , والإشارة له بأني أريد ماء , لكن للأسف لم
أستطع اللحاق به , عندها أدركتُ أن به ما بي , وأنه يطلب مطلبي . كما أسلفت
سابقاً أن المسافة بين المنطقتين 160 كيلو , وعلى معطيات ووضع سيارتينا , فإن
الطريق يطول لساعتينِ على أقل الأحوال .
استمر الحال, وازداد العطش بي, والأمل يتراوح بين كثرة وقلة, فكلما رأيتُ بُنياناً أو
حتى خُيلَ لي , زاد أملي وأحسست بنشوة الفرج والفرح , ويصل الأمل إلى أسوأ
حالته إذا تبخر ما أراه أو اتضح أن البُنيان غيرَ الذي أُريد .
لم يكن هذا النوع من السيارات, مجهز بتقنية التكييف, وهذا ما زاد الأمر سوء, علاوة
على كونها بطيئة ومحملة بالبضائع.
وضعتُ ما كان على رأسي, بل حتى أني قُمت بفتح بعضَ أزرار ثوبي, سعياً مني
لتهوية جسمي , لعل ذلك يحدُ من حاجتي للارتواء بالماء .
طال الطريق أو أحسسته كذلك , والمسافة الآن انقضى منها النصف فقط , لم أكن
أُدرك أن عليّ إنجاز النصف الأخر بهذه الحال , وإلا لكان حالي أسوأ مما أنا فيه , بل
أقول في نفسي بالتأكيد أن أمامنا محطة وقود , فأنا لستُ بجديدٍ عن الطريق , لكنّي
لم أنتبه لمعالمه وتواجد المحطات فيه سابقاً وهذا بالتأكيد خطأ مني .
أما أبن عمي فما زال يسبقني , وما زال هاتفه مغلقاً استمر الوضع كما هو أسأل الله
الفرج, وأطلبه المغفرة لم أعد أفكر سوى في كأس ماءٍ بارد , بل إن مخيلتي
جعلتني أرى كل ما حولي سهولاً وأنهارًا ووديان .
ويستمر الحال , ويزيد الوضع سوء , حتى إذا ما بلغنا مبلغاً من الوصول إلى الخفجي ,
ولم يتبقى من الوصول سوى 40 كيلو تقريبا , وقد مضى علينا ساعتان من الخروج من
منطقة أبو حدرية , وبينما أنا في طريقي , أسير في أقصى اليمين , إذ مرت بي
سيارة كباقي السيارت , من نوع تويوتا – لاندكروزر – لوحتها كويتية وبها عائلة , الأمر
كان طبيعي , مروا كغيرهم , وابتعدوا عني حتى لم أكد أراهم توقفت السيارة يمين
الطريق , ثم أخرج السائق يدهُ وأشار إليّ وأنا على بعد منه , وظل يشير , حتى
أشرتُ إليه بضوء السيارة أني سأقف , وفعلاً وقفت إلا أني لم أستطع الوقوف أمامه
تماماً , بل تجاوزته بمسافة قليلة ثم توقفت .
فلما توقفت , إذ بي أراه يتقدم بسيارته ليوازيني , كان أغلب ظني إن لم يكن كله أنه
يريد أن يسألني عن إتجاه الطريق , خاصةً أنه من الجنسية الكويتية وليس من أهل
البلد .
فلما تقدم بسيارته , وكانت زوجته بجواره , وبالطبع كانت جهة الراكب الذي بجواره
هي الجهه التي تقابلني , فتساءلت كثيراً في ثوانٍ قصيرة , وقبل معرفتي الخطب ,
إذ به يتقدم قليلاً ليكون الباب الجانبي للراكب الخلفي هو من يوازيني , فزادني الأمر
عجباً وحيرة , ولم ألبث سوى لحظات , وإذ بنافذة الباب تهوي نازلة , وتتضح الرؤية
لي كلما نزلت أكثر , لأرى تلك الطفلة الصغيرة ذات الثمان سنوات أو أقل , شدتني
ابتسامتها التي تملأ محياها , لأراها تمُد لي يدها , حامِلة عُلبة ماءٍ , تتقطر قطرات
البُرودة من عليها.
كان الأمر بالنسبة لي لا يُصدق , والدها تزيد ابتسامته عن ابتسامتها وهو يقول لي
( خذ منها ولا تردها , خذ منها ولا تردها ) قلت وأنا مبتسم ( ما أردها ) .
وأخذتها وأنا أردد سبحان الله سبحان الله .
مضوا , وتركوني بين فرح و دهشة , فذكرت الله وشربت , شربت نصف الماء وليس
أحوج مني لنصفها الآخر الآن إلا أبن عمي , فتركت الباقي لعلي ألتقي به قبل أن
نصل إلى الخفجي فأعطيه إياه .
واصلت السير , وإذ بي أرى سيارة ابن عمي قريب مني , قلت في نفسي سبحان
الله الآن أجدك وقد كنت أسعى للحاق بك منذ عهد فلم أستطع , فلما اقتربت منه
وبالتحديد لما بدأت أوازيه , رأيته في مرآته , رأيته يشرب ماء , فقلت في نفسي ما
الأمر ؟ فواصلت السير حتى وازيته تماماً , ولكأن العلبة التي في يدة ذاتها التي
معي , فزادني الأمر عجباً , فأشرتُ له بأن إفتح هاتفك .. ففطن , وفتح الهاتف
واتصلت به , فأخبرني الخبر , وأن ما حدث معه هو ذاته الذي حدث معي , فأنهينا
الحديث ونحن نحمد الله وندعو لهذه العائلة, وما زلنا والله ندعو لهم كلما تذكرناهم أو
ذكرناهم .
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يحفظهم من كل سوء ومكروه , وأن يبقيهم
على الحق قائمين , وأن يثبتهم عليه , وأن يبارك لهم فيما آتاهم , وأن يغنيهم بحلاله
عن حرامه وبفضله عمن سواه , وأن يسكنهم الفردوس ويشرفهم بالمحشر مع نبيه
والنظر إلى وجهه الكريم , اللهم آمين . 
... ما أحب التذكيرَ به :
{ أولاً : أن هذه العائلة سبقت ابتسامتها عطائها , الأمر
الذي أثر فينا كثيراً , بل لا أبالغ إن قلت أن تبسمهم في مثل هذا الموقف أروى
عطش أرواحنا , قبل أن يروي مائهم أجسادنا , وكيف لا يكون ذلك حقاً , وهو دأبُ
وأخلاق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام , وهو ما حثنا عليه , وحرّصنا فعله
كمسلمين بشكل عام , فضلا عن أن نكون دعاة .
{ ثانياً :مثل هذا الموقف بما حمل في طياته من
تفاصيل , طُبع في قلوبنا فلا نزال نتذكره كثيراً , وما زلنا نهل بالدعوات التي تترا لهذه
العائلة , وهذا بلا شك جُل ما نتمناه جميعاً , أن يذكرنا من يعرفنا علاوة على من لا
يعرفنا بكل خير وأن يدعون لنا , قال تعالى { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}
أي اجعل لي في الناس ذكرا جميلا و ثناءًا حسنا , فلنسعى أن تكون لنا بصمة خير
وفضيلة في كل مواطن تواجدنا .
{ ثالثاً : أن الله بقوته وعزته يُري عبده
ابن آدم ضعفه وحاجته وذله , ففي مثل هذه المواقف تعلم أنك ضعيف هزيل لا قوة
لك الا بقوة الله , ولا قدرة لك الا بقدرة الله , وفيه تربية روحانيه , فترى ابن آدم الذي
لطالما اعتز بنفسه واغتر في أنفَة , قد كُسرت شوكَةَ غروره وكِبره , والله سبحانه
وتعالى يُري ابن آدم في نفسه النقص ليعلم كماله سبحانه وتعالى .
{ رابعاً : أننا الآن في خضم معتَرك
الإجازة الصيفية , وفيها تكثر الأسفار , والتنقل بين أرض الله , والنسبة الأعلى تكون
براً, فلنفكر بكل ما أوتينا من فكر , كيف نزرع خيراً لنحصده , ومثل هذا الموقف قد
يظهر لنا كثيرًا من معاناة الطُرق ومُعانيه , فكم لنا من الإخوان الذين يتعطلون في
الطرقات , ويقفون على جوانبها , وبالتأكيد أن أكثرنا يعلم ذلك , فلِما لا نأخذ معنا ماءًا
وافرًا وليكون مثلا صندوقًا كاملاً , قد لا يتجاوز ثمنها الـ 14 ريالاً , لكنها لا تُقدر بثمن
عندما ترى أثمانها تتلألأ على وجوه من يحتاجونها , بل إن الأمر لا يقف عند ذلك ,
فما عند الله خير وأعظم أجراً , وحتى لو لم تُعطها أحدا طوال المسافة , فإنك ما
فعلت هذا إلا ابتغاء مرضاة الله وما عنده سبحانه , وهذا في ذاته المغنم .
أرجو يا أخواني وأخواتي ألا يكون الأمر مجرد موضوع ورد , بل أن تستشعروا ضرورة
الأمر فلو وقف أحدكم موقفي لا قدّر الله , عندها سيعلم بل ويعمل جاهدا أن يفعل
فعل ما فعلوه معي , فخذ مني عبرة وعظة ولا تُفوت على نفسك خيراتٍ تترا ,
وأفضالاً يعجز عنها سطرًا تلو سطرا .
أسال الله أن يجعلني وإياكم مفاتيح للخير, مغاليق للشر..
الفقيرُ إلى ربّه //~ ذكرياتي