قال عليٌّ رحمه اللّه: قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِن، فلو لم نَقف من هذا الكتابِ إلاّ على هذه الكلمة لوجدْناها شافيةً كافية، ومجزئة مغْنِية؛ بل لوَجدناها فاضلةً عن الكفاية، وغيرَ مقصِّرة عن الغاية، وأحسنُ الكلام ما كان قليلهُ يُغْنيك عن كثيرِه، ومعناه في ظاهر لفظِه، وكان اللُّه عزّ وجلَّ قد ألبسَه من الجَلالة، وغَشّاه من نُور الحكمة على حَسَب نيّة صاحبه وتقوَى قائِله، فإذا كان المعنى شريفاً واللفظُ بليغاً، وكان صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه، ومنزَّهاً عن الاختلالِ مصوناً عن التكلُّف، صنَعَ في القُلوب صنيعَ الغَيث في التُّربة الكريمة، ومتى فَصَلت الكلمةُ على هذه الشّرِيطة، ونفذَتْ من قائلها على هذه الصِّفة، أصَحبَها اللَّهُ من التوفيق ومَنَحَها من التأييد، ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدورُ الجبابرة، ولا يذهَل عن فهمها معه عقولُ الجَهَلة، وقد قال عامر بن عبد قيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعتْ في القلب، وإذا خرجت من اللِّسان لم تجاوِز الآذان، وقال الحسنُ رحمه اللَّه، وسمِع رجلاً يَعِظ، فلم تقع موعظتُه بموضعٍ مِن قلبه، ولم يرِقَّ عندها، فقال له: يا هذا، إنّ بقلبك لَشَرّاً أو بقلبي
الجاحظ/البيان والتبيين/ج1/ص83-84.الناشر: مكتبة الخانجي،القاهرة، ط7، 1998م تحقيق: عبد السلام هارون